مجموعة مؤلفين
131
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
--> - وجواب آخر يبطل هذا السؤال وهو : أنك تقول : إن اللّه تعالى مخاطب ، والمخاطب لا يدخل تحت الخطاب ، ألا ترى أن الواحد منا إذا قال : دخلت الدار فضربت من فيها ، أو أخرجت من فيها ، أو أعطيت من فيها لا يدل ذلك على أنه دخل تحت الخطاب ، بأن يكون ضرب نفسه ، ولا أخرج نفسه ولا أعطى نفسه ، لأنه مخاطب ، والمخاطب لا يدخل تحت الخطاب وكذلك قوله تعالى : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو مخاطب ، فلا يدخل تحت الخطاب بذاته ولا صفاته جل عن ذلك وتعالى ، كما قال : الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ يوسف : 39 ] قهر الكل ولم يدخل في القهر ذاته وصفاته . فافهم التحقيق لتدفع به كل بدعة وتمويه من أهل البدع إن شاء اللّه . الثالث : قوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ الروم : 40 ] والدلالة من هذه الآية من أوجه : أحدها : أنه قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [ الروم : 40 ] وهذا عام في ذواتنا وصفاتنا ، ثم أكد ذلك بقوله تعالى : ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [ الروم : 40 ] يعني ثم خلق أرزاقكم ، وعند المخالف أن العبد يخلق أفعاله ورزقه ، فهو خلاف ما أخبر اللّه تعالى به من كونه خالقا لنا ولأرزاقنا . الوجه الثاني : من الدلالة : أنه قال : ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [ الروم : 40 ] فكما لا يقدر أحد أن يخلق موته ولا حياته ، فكذلك لا يقدر أن يخلق فعله ورزقه ، من حركة ولا سكون ولا غير ذلك . الثالث : سبحانه وتعالى نزّه نفسه عن عقدهم وخبثهم إذ أضافوا فعل شيء وخلقه إلى غيره ، فقال : سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ الروم : 40 ] ثم أكد ذلك بعده بمواضع فقال : هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [ فاطر : 3 ] سبحانه وتعالى ، وقال : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [ النحل : 17 ] . وأما الدليل من السنة فكثير أيضا ، غير أني أذكر منه خبرين ننبه العاقل الفطن على الاستدلال بأمثالهما من السنة . الأول : ما روي عنه صلى اللّه عليه وسلم أن قال : « إن اللّه خالق كل صنعة وصانعها » وصنعة الصانع إنما هي بحركاته وأفعاله ، سواء كان في صنعة مباحة وطاعة ، ككتابة القرآن ، والحديث ، والفقه ، أو محظورة ؛ من تصوير صور الحيوان ، أو عمل السلاح ليقتل به المسلمين ، فصح بهذا الخبر أن اللّه جل وعلا خالق للفاعل منا ولفعله . الخبر الثاني : قوله صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس رضي اللّه عنهما : « فرغ ربك من أربع : من الخلق ، والخلق ، والرزق ، -